أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
168
العقد الفريد
ولا يردون الماء إلا عشيّة * إذا صدر الورّاد عن كل منهل « 1 » قال عمر : فإن ذلك أجم « 2 » لهم وأمكن . قالوا فإنه يقول بعد هذا : وما سمّى العجلان إلا لقولهم * خذ القعب واحلب أيّها العبد واعجل « 3 » . قال عمر : سيد القوم خادمهم . فما أرى بهذا بأسا . معاوية وأبو بردة وعقيبة : ونظير هذا قول معاوية لأبي بردة بن أبي موسى ، وكان دخل حماما فزحمه رجل ، فرفع الرجل يده فلطم بها أبا بردة فأثر في وجهه ، فقال فيه عقيبة الأسدي : فلا يصرم اللّه اليمين التي لها * بوجهك يا بن الأشعرين ندوب « 4 » قال : فاستعدى عليه معاوية ، وقال : إنه هجاني ! قال : وما قال فيك ؟ قال . فأنشده البيت ، قال معاوية : هذا رجل دعا ولم يقل إلا خيرا . قال : فقد قال غير هذا . قال : وما قال ؟ فأنشده : وأنت امرؤ في الأشعرين مقابل * وفي البيت والبطحاء أنت غريب « 5 » قال معاوية : وإذا كنت مقابلا في قومك فما عليك أن لا تكون مقابلا في غيرهم ؟ قال : فقد قال غير هذا . قال : وما قال ؟ قال : قال : وما أنا من حداث أمّك بالضّحى * ولا من يزكيها بظهر مغيب قال : إنما قال : ما أنا من حدّاث أمك . فلو قال إنه من حدّاثها لكان ينبغي لك أن تغضب ، والذي قال لي أشدّ من هذا . قال : وما قال لك يا أمير المؤمنين ؟ قال : قال : معاوي إننا بشر فأسجع * فلسنا بالجبال ولا الحديد « 6 »
--> ( 1 ) المنهل : الورد : أي الموضع الذي فيه المشرب . ( 2 ) أجمّ لهم : أكثر إراحة . ( 3 ) القعب : القدح الضخم الغليظ ( 4 ) صرم : قطع . ( 5 ) المقابل : الكريم من كلا طرفيه . ( 6 ) اسجح : أرفق ، وأحسن العفو وتكرم .